اضطرابات القلق (Anxiety Disorder) ليست فقط شعور عابر بالتوتر، بل هي حالات نفسية معقدة تتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية، كي تجعل أبسط المواقف مصدرًا للخوف المفرط والقلق المستمر.
🧠التعريف العلمي
اضطرابات القلق هي حالات نفسية تتميز بشعور مفرط ومستمر بالخوف أو التوتر أو القلق تجاه مواقف أو أحداث يومية، يتجاوز الاستجابة الطبيعية للضغط، ويؤثر على التفكير والسلوك والحياة اليومية للشخص.
_ المصدر: منظمة الصحة العالمية (WHO)
ما يميزها أنها لا تتوقف عند حدود التفكير، بل تمتد لتترك بصمتها على الجسد والعقل معًا؛ فتظهر في صورة خفقان متسارع، صعوبة في التنفس، اضطراب النوم، توتر عضلي، وتشتت في التركيز.
تخيل أن هذه الأعراض تتكرر بلا سبب واضح، كي تتحول الحياة إلى دائرة مغلقة من التوتر والإنهاك، هنا ندرك أن الأمر يتجاوز قلقًا طبيعيًا؛ ليصبح اضطرابًا يحتاج إلى فهم وعلاج.
تعد اضطرابات القلق من أكثر الاضطرابات النفسية شيوعًا على مستوى العالم، إذ تشير بيانات منظمة الصحة العالمية إلى أنها أصابت نحو 301 مليون شخص في عام 2021، أي ما يقارب 4% من سكان العالم، وهذه النسبة تكشف حجم الظاهرة وانتشارها، خاصة مع ارتفاع احتمالية إصابة النساء بها مقارنة بالرجال.
وما يزيد الأمر خطورة أنها غالبًا ما تبدأ في مرحلة الطفولة أو المراهقة، لترافق الفرد في سنوات تكوينه الأساسية.
ورغم ذلك فهناك بشرى سارة للجميع، وهي أن هذه الاضطرابات قابلة للعلاج بفعالية عبر الطرق النفسية والأدوية؛ مما يمنح الأمل لملايين الأشخاص في استعادة توازنهم النفسي والعيش بحياة أكثر طمأنينة.
تقول منظمة الصحة العالمية أن أقل من ثلث المصابين باضطرابات القلق يتلقون العلاج المناسب، وذلك يشكل خطورة ويوضح أهمية التوعية وطلب المساعدة المبكرة.
يتحول العالم إلى ساحة مليئة بالمخاطر الخفية داخل عقل مريض القلق كل فكرة بسيطة تُضخّم لتصبح احتمالا كارثيًا، وكل إحساس جسدي عابر يفسّر كعلامة على مرض خطير يوشك أن يفتك به.
هذا العقل يعيش في حالة استنفار دائم، يطلق إشارات الخوف حتى في غياب أي تهديد حقيقي، وينهك الجسد بالتوتر ويستنزف الطاقة العقلية بلا رحمة.
إنها دائرة مُغلقة من الإنذار المستمر، حيث يصبح الهدوء حلمًا بعيد المنال، ويغدو القلق سيد اللحظة.
عقلي لا يتوقف عن التحذير، كأن هناك جرس إنذار يرن بلا توقف.
عالم اضطرابات القلق واسع ومتعدد الوجوه، فلكل نوع قصته الخاصة وطريقته في السيطرة على حياة المصاب، بعض الأنواع تبدو كظل دائم يُرافق التفكير، وأخرى تظهر فجأة كعاصفة لا يمكن التنبؤ بها، إليك أبرز أنواع القلق:
لا تقتصر أعراض اضطراب القلق على جانب واحد، بل تنقسم إلى مظاهر نفسية وعقلية، وأخرى جسدية ملموسة تؤثر على جودة الحياة اليومية:
| أعراض نفسية وعقلية | تظهر هذه الأعراض في طريقة التفكير والمشاعر، فتجعل العقل في حالة استنفار دائم: إحساس مستمر بالعصبية أو الترقب وكأن خطرًا وشيكًا يقترب. تشتت الانتباه أو عجز عن اتخاذ القرارات بسهولة. قد تسيطر فجأة نوبات خوف أو شعور بالهلاك الوشيك. اضطراب النوم وصعوبة الدخول فيه أو الاستيقاظ المتكرر. انفعال زائد وعدم القدرة على الاسترخاء. أفكار متكررة خارجة عن السيطرة تفرض نفسها على العقل. |
| أعراض جسدية |
لا يتوقف القلق عند حدود العقل، بل يترك بصماته على الجسد بشكل واضح: |
إذا أصبحت هذه الأعراض متكررة وتؤثر بشكل مباشر على حياتك اليومية، فهي إشارة واضحة لضرورة استشارة طبيب أو مختص في الصحة النفسية، د. ريهام القاسم
اضطرابات القلق لا تنشأ من سبب واحد، لكنها نتيجة تفاعل معقد بين عوامل متعددة تتداخل كي تُشكل أرضية خصبة لظهور الأعراض، وذلك كالتالي:
عندما يكون القلق جزءًا من التاريخ العائلي، فإن احتمالية ظهوره تصبح أكبر لدى أحد أفراد العائلة.
التجارب القاسية تترك بصمة عميقة في النفس، وقد تتحول إلى شرارة لظهور اضطراب القلق، مثل:
الاضطرابات النفسية لا تأتي منفردة، بل تتشابك لتزيد من حدة القلق، ويرتبط اضطراب القلق بشكل وثيق بوجود اضطرابات أخرى، خاصة الاكتئاب.
العيش في بيئة مليئة بالتوتر يضع العقل في حالة استنفار دائم، مثل المرور بظروف صعبة ومُجهدة لفترات طويلة يزيد من احتمالية الإصابة باضطرابات القلق.
بعض الأمراض الجسدية قد تفتح الباب أمام القلق أو تزيد من حدته، مثل أمراض القلب أو الغدة الدرقية تسبب أعراضًا تشبه القلق أو تفاقمه.
اللجوء إلى المواد المخدرة أو الكحول قد يبدو مخرجًا مؤقتًا، لكنه يزيد المشكلة تعقيدًا، فاستهلاك الكحول أو المخدرات يرفع خطر الإصابة باضطراب القلق، والانسحاب من هذه المواد قد يؤدي إلى تفاقم الأعراض.
بعض السمات الشخصية تجعل الفرد أكثر عرضة للقلق، مثل الخجل المفرط، السلبية، أو تدني احترام الذات.
الإحصائيات تكشف عن فارق واضح بين الجنسين في الإصابة بالقلق، حيث أثبتت أن النساء أكثر عرضة للإصابة ببعض اضطرابات القلق مثل القلق العام، مقارنة بالرجال.
يقول الدكتور خالد عبد المنعم (أستاذ الطب النفسى بجامعة القاهرة) أن المريض الذي يعاني من اضطراب القلق لا يُعني أنه ضعيف الشخصية، لكنه إنذار وإشارة إلى وجود خلل في الدماغ وطريقة استقبالها للخطر، ومع اتباع تعليمات الطبيب وبدء العلاج يتمكن الشخص من استعادة هدوئه الداخلي.
وأشارت الدكتورة رشا السعيد إلى أن القلق الطبيعي يكون مؤقتًا ومرتبطًا بموقف محدد، بينما الاضطراب يكون مستمرًا ومفرطًا ويؤثر سلبًا على الحياة اليومية للفرد.
وأثبتت الدراسات أن إهمال العلاج يؤدي إلى تطور الاكتئاب أو زيادة سوء الحالات الصحية الأخرى، مثل أمراض القلب وارتفاع ضغط الدم، كما قد يدفع المصاب إلى سلوكيات غير صحيحة مثل تعاطي الكحول أو المخدرات.
تشخيص اضطراب القلق لا يعتمد على اختبار مخبري، بل على مقابلة مع الطبيب النفسي لتقييم الأعراض ومدتها والسلوكيات المرتبطة بها.
فمن الضروري مراجعة الطبيب لاستبعاد أي مرض جسدي محتمل، وإذا لم يكن السبب طبيًا، يتم تحويل المريض إلى مختص في الصحة النفسية للتقييم والعلاج المناسب.
التشخيص المبكر يساعد على منع تفاقم الأعراض ويمنح المريض فرصة أكبر للتعافي.
يصبح القلق أكثر من مجرد شعور طبيعي ويحتاج لتدخل طبي، عندما يتجاوز حدوده ويبدأ في السيطرة على تفاصيل الحياة اليومية:
أيضًا يصبح خطيرًا عندما يترافق مع واحد أو أكثر من الأعراض التالية:
يقوم العلاج على مزيج من الأساليب النفسية والدوائية والداعمة لتحقيق التوازن والراحة:
تشير الدكتورة رشا السعيد إلى أن إدراك خطورة اضطراب القلق والتمييز بينه وبين القلق الطبيعي هو الخطوة الأولى نحو التغيير، والتشخيص المبكر يمنح المريض فرصة أكبر للتعافي، واستعادة توازنه النفسي.
نعم، يمكن لمريض القلق أن يستعيد توازنه النفسي بعد العلاج، خاصة عند الجمع بين العلاج النفسي (مثل العلاج السلوكي المعرفي) والدعم الدوائي عند الحاجة، إلى جانب تغيير نمط الحياة مثل المداومة على الرياضة، النوم المنتظم، وتقنيات الاسترخاء.
هذه الأساليب تساعد على تقليل الأعراض تدريجيًا وتمكين المريض من التحكم في أفكاره ومشاعره بشكل أفضل، مما يعيد له الشعور بالاستقرار والقدرة على التعايش بسلام.
اضطرابات القلق ليست حالة عابرة من التوتر فقط، بل هي اضطراب نفسي شائع عالميًا يمكن أن يؤثر بعمق على جودة الحياة إذا لم تتم مواجهته بوعي وعلاج مناسب، ورغم أن أعراضه تبدو مُرهقة، فإن الأبحاث العلمية تؤكد أن العلاج النفسي والدعم الاجتماعي واتباع نمط حياة صحي، كلها وسائل فعّالة للسيطرة عليه والحد من تأثيره، ويمكنك التواصل معنا في مركز الصحة النفسية على رقم (00201010322346) لبدء العلاج واستعادة التوازن النفسي.
10
4
أكتب تعليقا