اخر تحديث للمقال: سبتمبر 30, 2026
فتاة في عمر العشرين عامًا، في ريعان الشباب كما يقولون، رُغم أني لا أشعر بذلك، حيث نشأت في ظروف نفسية مريرة أضافت أثقالًا إلى كاهلي الضعيف، وأضافت سنون كثيرة إلى سنوات عمري الصغيرة.
الشعور بالوحدة قد يكون مؤلمًا ويؤثر على الصحة النفسية بشكل كبير، ويمكن لمختصي الاضطرابات النفسية في مركز الصحة النفسية المساعدة في فهم أسبابه.
فمنذ أن كنت طفلة في عمر السادسة تقريبًا، كان والداي يحيطان بي بكل أشكال المحبة والمودة، يغمرني بعطفهمها عليّ، يلبيا لي كل ما أريد، حيث أصبحا هم كل شيء لدي، حيث إن أخي الأكبر والوحيد كان قد تزوج وسافر خارج البلاد، ولم يتبقى لي سوى والداي.
احجز معنا استشارتك النفسية إذا كنت تعاني من الشعور بالوحدة
ومع هذا بحلول عامي العاشر، خالفني القدر وعصف بي بشكل مرير، حيث كدت لا أصدق من هول ما أصابني "أبي وأمي توفيا في حادث سير على الطريق السريع" علمت ذلك من عمتي التي كانت تسكن بالقرب مني، أتاها هاتف بذلك الخبر المؤلم، أتت مسرعة إلىّ، في البداية حاولت إخفاء ذلك عني وطمأنتي أن أبي وأمي بخير، لكني علمت بهذا، حيث لم تستطع إخفاء مشاعرها وبكاءها، فكنت أتفهم ما يدور حولي جيدًا، ومنذ أن علمت بذلك لم أتوقف عن البكاء من لحظتها ولم أستطع أن أستوعب ما ألمّ بي القدر، فكيف لي أن أعيش بمفردي وبدأ شعور الوحدة ينتابني شيئًا فشيئًا.
بعد مرور أيام انتقلت للعيش مع عمتي وأولادها، حاولت الاندماج معهم، لكني لم أستطع أن أفعل ذلك، بقيت معهم فترة ليست بالكبيرة ولكنها فترة طويلة ومؤلمة دون أبي وأمي، حيث شعرت أني وحيدة ولا أحد يحبني سواهما، ولا أحد يمكنه أن يتقبلني سوى والداي فقط.
مرت خمسة سنوات على وفاتهما، وانتقالي للعيش مع عمتي، مرت طويلة ومؤلمة، لم أستطع أن أستمر في العيش معهم، فانتقلت إلى بيت والدي علىّ أشعر بأرواحهم تسكن إلى جواري وبأنسهما لي، كنت أشعر ببعض الراحة والمواساة في ذلك، وعلى الرُغم من ذلك ازدادت لدي مشاعر الحزن على فراقهما التي لم تنطفئ لحظةً من قبل.
ازدادت لدى آلامي النفسية وبموازاة ذلك لم تبرح الآلام الجسدية عني لحظةً، ولعل هذا ما أشعرني بمرارة فقدي الكبير، حيث لا أحد يسأل عني من أقاربي لمعرفة أخباري، فأنا أتحمل كل شيء بمفردي، كدت أعتقد في قرارة نفسي أن لا أحد يحبني تقريبًا حتى عائلتي.
الشعور بأنك غير محبوب/ة أو وحيد/ة غالبًا يكون إحساسًا نفسيًا مؤلمًا وليس حقيقة كاملة عنك أو عن علاقاتك.
فقررت أن أواجه حياتي بمفردي دون انتظار أحد، سعيت كثيرًا للحصول على وظيفة مناسبة لي ولعمري الصغير مع دراستي، حيث كنت أحس طيلة الوقت بأني رخيصة وأنا أنتظر أحد يعطف علىّ، وبأني بلا قيمة ولا فائدة تُذكر من وجودي هكذا، ولعل هذا ما دفعني للبحث عن عمل مناسب، يشعرني بقوتي ويملأ علىّ أوقات فراغي.
لم يقبلني أحد بسهولة لسني الصغير، ولكني حصلت أخيرًا على وظيفة مناسبة، في أثناء عملي كان يواجهني عقبات عدم تقبل الناس لي، وتعرضت للتنمر كثيرًا، واستفسارات يرميها البعض عليّ تدور حول كيف لي أن أعمل في هذا السن؟ لهذا ازدادت مشاعر الحزن والأسى، وشعرت أني ثقيلة على الناس ولا أحد يحب التحدث معي، وهكذا استمرت رحلة العزلة والوحدة لدي، حيث لم أستطع الاستمرار في تلك الوظيفة، تركتها بعد مرور شهور قليلة فقط.
بمرور السنوات التحقت بالجامعة، أحببتها كثيرًا، حيث أحسست بقيمتي التي نزعت مني وبثقتي التي سلبت مني رُغمًا عني، أخذت منهمكة في دراستي، وفي أثناء السنة الدراسية الأولى تمت خطبتي على شاب أحببته، ولكن كما العادة لم يحالفني الحظ في أي شيء أحببته، حيث تركني لأسباب غير مبررة، شعرت بالحزن الشديد نتاج ذلك، وتبلورت لدي فكرة أني غير محبوبة، وشعرت بأن لا أحد يرغب بي أبدًا.
حاولت أن أتجاوز تلك الفترة القاسية التي ألمت بي، لم أستطع فعل ذلك، فالمرء لا يستطيع أن يتناسى ما آلمه بمفرده، فاستعنت بمركز الصحة النفسية، الذي كان له الفضل علىّ في محاولة تجاوز تلك المشاعر السلبية التي لحقت بي، أرشدني الاستشاريين النفسيين لكيفية التعامل وعيش حياتي بشكل طبيعي، كانوا لي خير العون، وخير الأصدقاء، محاولين أن أتعافي من تلك الفترة القاسية علىّ، وإلى الآن أنا أحاول جاهدةً أن أتخلص من آلام تلك المرحلة بشكل نهائي.
يمكن تحسين الشعور بالوحدة تدريجيًا وبناء علاقات أقوى مع الوقت حتى لو كنتِ تشعرين الآن أن هذا مستحيل.
ينبغي عليكِ إذا كنت تشعرين بأنك وحيدة فهم طبيعة نفسك، وإدراك مشاعرك وتفهم حقيقة آلامها، وذلك حتى تستطيعين إيجاد حلول جذرية يمكنها استعادة توازنك النفسي ولو بعض الشيء.
في السطور التالية نستعرض أبرز الطرق التي أشار إليها مركز الصحة النفسية لكيفية التغلب على شعور الوحدة:-

للتخلص من مشاعر الوحدة، لا بد من احترام وتقدير الذات والبعد عن إهانتها، وذلك حتى لا يتطور الأمر إلى فقد الثقة بالنفس، وبالتالي الشعور بالوحدة والعزلة.
من المهم التوقف عن لوم النفس والبعد عن التفكير في أحداث الماضي، بل يتم تقبلها بمميزاتها والبناء على عيوبها والتوجه قُدمًا نحو تصحيحها، لئلا يتطور الأمر إلى الشعور بالإحباط والعزلة عن النفس وعن الآخرين.
لعيش حياة هادئة، لا بد من التوقف عن المقارنة، وذلك لأن طبيعة حياتنا مختلفة عن الآخرين، فلكل منا صفات تميزه عن الآخر، يستطيع من خلالها البناء عليها لتغيير حياته نحو الأفضل.
عندما يزداد الحزن أو الضغط النفسي، يبدأ العقل في تفسير المواقف بشكل سلبي مثل: (لا أحد يحبني) حتى لو كان هناك حب أو اهتمام لكن بطريقة غير واضحة.
من المهم الابتعاد عن الأفكار السلبية التي تجول في خاطرك، ويساعدك في ذلك الذهاب إلى أنشطة اجتماعية وثقافية تساعدك على التغلب على شعور العزلة، كما يمكنك أن تلجأ إلى القراءة وكذلك القيام بتمارين اليوجا والتي تساعد في إزالة مسببات القلق وبالتالي الشعور بالاسترخاء والهدوء.
تساعد الرياضة الشخص في الابتعاد عن الأفكار السلبية وعدم الشعور بالوحدة، لذا من المهم ممارسة الرياضة بشكل يومي دون توقف.
إذا لم تستطع تجاوز مشاعر الوحدة بمفردك، بإمكانك الاستعانة بمركز نفسي متخصص كمركز الصحة النفسية، فبفضل الإمكانيات المتاحة لديه سيساعدك على التخلص من مشاعر الوحدة وتجاوزها، والتعافي من أسبابها.
استمرار الشعور بالوحدة لفترة طويلة قد يؤدي إلى اكتئاب أو عزلة اجتماعية أكبر إذا لم يتم التعامل معه.
شعورك بأنكِ وحيدة وبأن لا أحد يحبك، قد يكون مجرد شعور نابع من أعماقك فقط، وليس له أي درجة من الصحة، ففي الحقيقة قد تكوني محاطة بأناس حولك يحبونكِ ويشعرون بكِ، لذا من المهم أن تُبصري جيدًا إلى حقيقة الأمور وإلى حقيقة مشاعرك والتوقف عن العزلة مع نفسك، وإذا لم تستطيعي فعل ذلك، لا تترددي في طلب المساعدة من المحيطين بكِ أو من مركز نفسي متخصص.
0
0
أكتب تعليقا